محمد بن عبد الكريم الشهرستاني
643
تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار
[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 141 ] تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ ( 141 ) وقد حسن تكرير هذه الآية ؛ لأنّ الحجّاج إذا أخلقت مواطنه حسن تكريره للتذكير به . من وجه آخر : « 1 » أنّ اللّه تعالى بيّن في الآيات السابقة أنّ إبراهيم وبنيه وأسباطهم وقبائلهم كانوا على الدين الحنيفي والإسلام الحقيقي وأنّ اليهود والنصارى غيّروا وبدّلوا ثمّ ادّعوا أنّ ذلك الدين القيّم الذي كان إبراهيم وأولاده عليه عندنا ، ونحن أولاده وأحقّ الناس به ، وديننا هو الدين الذي وصّى إبراهيم بنيه ووصّى يعقوب بنيه ، وقد بيّن اللّه تعالى دين إبراهيم في الآيات السالفة ومناسكه ودعواته وكلماته ، وأنّ ذرّيّته من بني إسماعيل هم حملة نوره المخفيّ ونقلته إلى بني هاشم ، وظهر ذلك بالمصطفى محمّد - صلّى اللّه عليه وآله - حتّى قرّر دينه الحنيفي ودعا الناس إليه ؛ فخالفه اليهود والنصارى وحاجّوه في اللّه وخاذلوه في دين اللّه ؛ فجعل قوله : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ فصلا بين البيان الأوّل من تقرير الحنيفية في إبراهيم - عليه السلام - وأولاده ، وبيّن البيان الثاني من تقرير الحنيفية في محمّد المصطفى - صلّى اللّه عليه وآله - وعترته . ثمّ جعل قوله : تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ثانيا فصلا بين الناس . الأوّل منهما الخلاف في الملّة والثاني الخلاف في القبلة ؛ فلا يكون أفعال الماضين حجّة لنا ولا حجّة علينا ؛ فلها ما كسبت وعليها ما اكتسبت . ثم ابتدأ بقوله - جلّ وعزّ - : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 142 ] سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ ما وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 142 ) النظم والتفسير وأكثر المفسّرين على أنّ المراد بالسفهاء المنكرين تحويل القبلة اليهود ؛ وذلك قول مجاهد والبراء بن عازب والضحّاك ورواية عليّ بن طلحة وعطاء عن ابن عبّاس ؛ وقول
--> ( 1 ) . في الهامش عنوان : الاسرار .